دور الأحداث التاريخية في السعي للحد من التطرف

من قسم افتراضي, المقالات. منذُ5 سنة.2019-09-04T11:52:36+03:0012:00 صباحًا السبت 24 سبتمبر 2016 م / _24 _سبتمبر _2016 ه‍|

لا يختلف اثنان أن المسلمين يواجهون أينما حلوا أو أقاموا معضلة كبيرة تتمثل في جانبين: أولاهما ظهور أفراد وجماعات من بينهم تتبنى العنف والقتل وسيلة للتعامل سواءً مع المسلمين انفسهم أو مع مخالفيهم في الدين والعقيدة. وثانيهما في التصاعد الواضح للكراهية ضد الإسلام والمسلمين بشكل عام في المجتمعات الغربية. ومن الملاحظ أن جزءاً كبيراً من ردات الفعل ضد الإسلام والمسلمين مرده الى السلوكيات والتصرفات البعيدة عن روح الإسلام والتي يتبناها بعض أبناء المسلمين، وعملهم المتواصل على ثني أعناق بعض الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة حتى تناسب وتبرر أعمالهم، إضافة الى الجهل الواضح في السياق التاريخي والاحداث التاريخية المرتبطة بالآيات القرآنية والتطبيقات اليومية للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. كم من المؤسف أن نرى بعض أبناء المسلمين يتباهون ببعض أعمال العنف متصورين أنهم الناطقون باسم الإسلام وأن ما يقمون به إنما هو تطبيق لمنهج الرسول عليه السلام في التعامل مع غير المسلمين. لكن الحقيقة غير ذلك وتبيانها بسيط جداً، لكن يبدوا أن هناك من لايود أن يرجع إلى هذه الأحداث التاريخية والتطبيقات العملية للرسول عليه السلام وصحابته الكرام من بعده. وسوف اتطرق هنا إلى حدثين تاريخيين مهمين ظهرت فيها أسمى معاني التسامح الإسلامي مع أبناء الديانات الأخرى، في الوقت الذي كان به المسلمون أصحاب السلطة واليد العليا. الكل يعلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام اضطر هو أصحابه إلى ترك مكة المكرمة مهاجرين إلى المدينة المنورة، وأن بمجرد وصوله إلى المدينة، تأسست الدولة الإسلامية الأولى في التاريخ، وبذلك أصبح للرسول واصحابه قوة تعتمد على من هاجر من مكة من المسلمين إضافة الى اهل المدينة الذين استقبلوا الرسول ووعدوه بالنصرة والدعم. لكن المدينة المنورة في تلك الفترة لم تكن محصورة على المسلمين، فقد كان يسكن في اطرافها 11 قبيلة يهودية.  وكانوا يشكلون خطراً محتملاً على الدولة الوليدة، ولذلك، فإن المنطق يقول أن الرسول بالقوة والمنعة التي لديه سوف يعمد إلى طرد اليهود من المدينة بالقوة أو على الأقل بالإغراءات المادية حتى يتركوا المدينة خالصة للمسلمين. لكن ذلك لم يحدث أبدا، فروح التسامح المتمثلة في آيات القرآن وأحاديث الرسول وتطبيقاته العملية تجسدت في الاتفاقية التي عُرفت تاريخياً بصحيفة المدينة أو وثيقة المدينة، والتي اتفق على نصوصها الرسول عليه السلام وممثلي الـ11 قبيلة يهودية. وبذلك نجح الرسول مع بدايات تأسيسه للدولة في تأسيس مجتمع متعدد الأعراق والديانات يسود فيه الأمن والأمان، كما أن هذا المجتمع يقوم على العدل في التعامل المساواة في الحقوق والواجبات. وقد ضمنت هذه الوثيقة لليهود الحرية الدينية واعتبرتهم مواطنين في الدولة الإسلامية. وهنا يتبادر السؤال التالي: ألم يكن هذا رسول الله؟ ثم ألا يدعي الذين يتبنون العنف مع غير المسلمين على اطلاقه أنهم يتبعون سنة المصطفى وتطبيقاته. هل أخطأ الرسول وهم أصابوا؟ هل فات الرسول عليه السلام خطر اليهود وهم تنبهوا؟ من الواضح أن هناك قصور في الفهم وقلة في المعرفة لدى هؤلاء. فالرسول عليه السلام كان الوحي منطلق أقواله وافعاله، وكان يعي أن الإسلام إنما جاء رحمة للعالمين، وأن الإسلام لا يمانع أن يعيش بين ظهرانيه من كان يدين بدين غير الإسلام طالما أنه التزم بأحكام المواطنة في الدولة الإسلامية وقوانينها.  فالرسول عليه الصلاة والسلام ومن خلال بنود صحيفة المدينة قد بين ما لليهود من حقوق وما عليهم من واجبات وبين ما للدولة الاسلامية وما عليها، كما أنه بين ضرورة الالتزام بما ورد في الصحيفة وعقوبة من يخالفها مسلماً كان أم يهودياً.

أما الحدث التاريخي الآخر والذي يبين سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين يتمثل في الفتح الإسلامي لبيت المقدس عام 16 للهجرة/637م. فالجيش الإسلامي كان في تلك الفترة جيشاً قوياً وبيت المقدس كان لا بد بعد حصاره الطويل أن تسقط بأيدي المسلمين، لكن سماحة الإسلام والمتمثلة في رأس الدولة الإسلامية الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لم  تدعه يتأخر في الرد على طلب (صفرونيوس) بطريرك بيت المقدس في القدوم بنفسه من المدينة إلى بيت المقدس لاستلام مفاتيح المدينة. وكانت هذه هي الحادثة الوحيدة التي خرج بها الخليفة عمر بن الخطاب من عاصمة الدولة إلى أيٍ من المناطق المفتوحة من قِبل المسلمين ليعقد الصلح مع أهلها. من المؤكد، أن المسيحيين في بيت المقدس كانوا يعلمون بتمثل روح التسامح الإسلامي في شخص الخليفة عمر رضي الله عنه، ولذلك ألحوا في طلب قدومه. إن مجرد قدوم الخليفة عمر بن الخطاب إلى بيت المقدس بنفسه تحمل في طياتها معانٍ كبيرة، فالخليفة على تيقنه بأهمية بيت المقدس في الإسلام على اعتبار أن به المسجد الأقصى وهو القبلة الأولى للمسلمين، وأن المسجد الأقصى هو المكان الذي أُسري إليه الرسول عليه السلام من مكة ومنه عرج إلى السماوات العلا، علاوة على غير ذلك من الأمور الثابتة شرعاً في منزلة بيت المقدس في الإسلام. إلا أن الخليفة عمر بن الخطاب كان يعلم أن بيت المقدس له كذلك أهمية كبيرة في نفوس المسيحيين وضمائرهم. لذلك، لم يتردد الخليفة في إعطاء المسيحيين في بيت المقدس عهدته العمرية، والتي ضمنت لهم كامل الحرية الدينية من عبادةٍ ومن محافظةٍ على أماكن عباداتهم، علاوة على المحافظة على أنفسهم وشخوصهم وممتلكاتهم. ونلاحظ أن الخليفة عمر عمل على إنزال بنود العهدة العمرية على أرض الواقع عندما رفض الصلاة في كنيسة القيامة وهي أهم الكنائس في الديانة المسيحية، وقد علل الخليفة رفضه هذا بخوفه من أن يأتي يومٌ يبرّر بعض المسلمين استيلائهم على الكنيسة بحجة أن الخليفة قد صلى هناك في فترة الفتح الإسلامي. وبذلك نجح الخليفة عمر بن الخطاب في المحافظة على دور العبادة للمسيحين وايجاب مجتمع في بيت المقدس يعمه السلم والأمان وينعم الجميع فيه بتسامح الإسلام ورحمته إلى يومنا هذا.

وأود أن اختم هنا بالإشارة إلى أننا بحاجة إلى موجة تعليمية تثقيفه لأبناء المسلمين، وإعادة شرح وتكريس التجسدات التاريخية لمفاهيم التسامح والمحبة والإخاء في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، كتطبيقات عملية لآيات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بذلك، سوف ننجح في وقف من يتلاعبون بالنصوص ويلون اعناقها تحقيقا لمآرب خاصة في نفوسهم. كما أننا سننجح في اظهار سماحة الاسلام وعالميته لغير المسلمين.

* ماهر أبو منشار هو أستاذ مشارك بقسم التاريخ في جامعة قطر، وأستاذ دراسات بيت المقدس، جامعة أبردين اسكتلاندا سابقاً.