ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون

من قسم افتراضي, المقالات. منذُ5 سنة.2019-09-04T11:51:12+03:0012:00 صباحًا الخميس 13 أكتوبر 2016 م / _13 _أكتوبر _2016 ه‍|

لعله لم تحدث أية من اللبس في فهمها وتنزيلاتها الواقعية مثل ما أحدثت الآيات الثلاث من سورة المائدة والتي جاءت متتالية وفق الترتيب القرآني التالي:

( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )

( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )

( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )

حيث اُختلف فيها قديماً وحديثا لكن اختلاف القدماء فيها لم يكن مدعاة منهم لإباحة دماء المسملين إلا ما كان من الخوارج زمن الإمام علي رضي الله عنه، لكن الأمر اختلف في العصر الحديث حين انتشر المد العلماني، وبرز كردة فعل له تيار الإسلام السياسي الذي أسّس لفكرة الحاكمية في أدبياته انطلاقاً من هذه الآيات، وقد استنتج هذا التيار من هذه الآيات استنتاجين هما أن التشريع لله وحده وأن أي تشريع آخر خارج عن شرع الله، وأنه لا بد من تنزيل أحكام الله في أيام الناس وحياتهم، وأدى لبس الفهم لهذه الآيات لنشأة موجة التكفير الشديدة للأنظمة الحاكمة في دول العالم الإسلامي انطلاقا من منطوق هذه الآيات، ومن ثم تكفير كل من يرضى بهذه الحكومات أو من يعمل لصالحها، لدرجة ظهور بعض الآراء الشاذة والغريبة كالتي تحرم الوقوف عند الإشارة الحمراء في الطريق نظرا لكون هذه القوانين تشاريع موضوعة من طرف البشر وليست من وحي الله.

نتوقف هنا أمام هذه الآيات لنرى كيف فهم سلفنا الصالح هذه الآيات، وكيف أنهم لم يفتتنوا بها كما يفتتن بها شبابنا هذه الأيام.

الواضح من سياق الآيات أنها نزلت في أهل الكتاب وقد حدى هذا ببعض العلماء بقصر دلالتها على أهل الكتاب فقط كالطبري الذي يرى أنها في اليهود الذين ستروا شرع الله وأهملوه وأظهروا شرعا آخر، بينما اختار الإمام الشعبي رأيا مخالفاً فقال أن كل آية من الآيات الثلاث نزلت في أمة من الأمم فالأولى المقصود بها المسلمون والثانية لليهود والثالثة للنصاري. بين هذين الرأين برز رأي  آخر قال به عطاء و ابن عباس وجماعة من علماء المسلمين فقالوا العبرة في الآيات بعموم اللفظ، لذا فهي تشمل المسلمين أيضاً لكن الكفر المراد في الآية هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، حيث يرتبط الأمر بالنية فإن لم يعمل بحكم الله جهلاً أو تكاسلاً أو خوفاً فهو مسلم وفق آراء أغلب علماء الأمة وإن لم يعمل بشرع الله نكراناً منه لهذا الشرع وجحودا فهو كافر بإجماع الأمة،وهو الرأي الذي قال به كبار علماء الأمة كالألباني وبن باز ، وابن بية وغيرهم. وفي المسألة تفاصيل كثيرة جدا ليس هنا المقام لتفصيلها.

ما يهمنا الإشارة إليه هنا هو أن الآيات قالت :”من لم يحكم بما أنزل الله”، ولم تقل “من حكم بغير ما أنزل الله” أو “حكم بما لم ينزل الله” والواضح من السياق اللغوي أنه من حكم بغير ما أنزل الله فيما لم ينزل الله فيه تشريعاً فليس عليه من حرج، من هذه النقطة نفرّع ثلاث مسائل هي:

إن أغلب القوانين التي نعرفها في حياتنا هي مما لم ينزل الله أي مما لم تشر له الأية مطلقاً وليس داخلاً في مدلولها، فقوانين المرور والدراسة والعمل والإدارة وأغلب شؤون الدولة لم تنزل فيها تشريعات وتركت لاجتهاد المسلمين.

إن أغلب ما أنزل الله من تشريعات مما يتعلق بالعقائد والعبادات والمعاملات مطبق في دول المسلمين، حيث لم نعرف مطلقاً أي مجتمع مسلم ينكر أحكام الله في المورايث مثلا أو المعاملات التجارية، أو أحكام الأسرة، أو أو أو وهي أغلب تشاريع الإسلام، والأمر الوحيد الذي يغيب عن التطبيق في العديد من دول المسلمين هو جزء صغير جداً من التشريع الإسلامي وهو ما يتعلق بالقسم الجنائي منها وهي الحدود والقصاص، وهو جزء صغير جداً في بحر التشريع الإسلامي الذي يتكاتف المسلمون على العمل به، فمن بين 500 أية تشريعية في القرآن الكريم وردت فقط 9 آيات في الحدود تحدث فيها الشارع الكريم عن 6 أحكام فقط، تكاد لا تظهر أمام ما فصله الشارع الكريم في أحكام الميراث مثلا أو أحكام الطلاق، كما أن عدم تطبيق هذه الاحكام في العديد من دول المسملين ليس بداعي انكارها أو جحودها بقدر ما هو استجابة لضغوط السياسة والقوانين الدولية.

إن العقلية الاختزالية التي ابتلي بها بعض المسلمين دفعت عقولهم إلى اختصار شرع الله الواسع في تطبيق الحدود فقط وبالتي تنزيل منطوق الأية (من لم يحكم بما أنزل الله) على هذه المجتمعات أو الدول التي تحكمها، وبالتي الحكم بكفر الأنظمة ومن ثم تبرير الخروج عليها. وكأن شرع الله جاء فقط بالحدود، ولم يأتي بنظم حياتية اجتماعية معاملاتية كثيرة جدا ومتعددة راعتها أغلب دول المسلمين في دساتيرها وقوانينها.