على حلبة الحوار

من قسم افتراضي, المقالات. منذُ5 سنة.2019-09-04T11:50:36+03:0012:00 صباحًا الأحد 30 أكتوبر 2016 م / _30 _أكتوبر _2016 ه‍|

على مدى السنوات العشرين الماضية شهد العالم اهتماما متزايدا بالحوار الذي تحول إلى أنشودة تطرب الآذان وتخاطب الأرواح هنا وهناك. فكم من مؤتمر عالمي أقيم تحت هذا العنوان وكم من مرة يتكرر ذكره على لسان أصحاب الفكر وصناع القرار كل يوم.

لم يعد الحوار هذه الأيام مفهوما له أهميته في الحقل الاجتماعي بل بدأ يتطور إلى مادة أكاديمية لها أصولها ونظرياتها ومنظريها ومراكزها البحثية ومجتمعاتها العلمية. والحوار يمثل دينامية التفاعل الاجتماعي وله علاقة بمجموعة من العلوم مثل علم الاجتماع وعلم الانسان وعلم اللغة والأدب والتربية والقانون والعلوم السياسية وعلم النفس والدين.

فرغم تطور البشر الغير المسبوق في مجال الاتصال وانفجار المعرفة، لم يكن العالم أشد حاجة إلى الحوار منها في وقت تزمجر فيه أمواج العنف والكراهية لتعصف بجسور التواصل، الأمر الذي يبرز أهمية الحوار بين الشمال والجنوب، بين الشرق والغرب، بين الحضارات والأديان والدول، وأخيرا الحوار بين الدول والجماعات هنا وهناك.

كل هذا يدعونا إلى إعادة النظر في الدور الذي يمكن أن يلعبه الحوار مع الذات ومع الآخر في عالم تهدده موجات العنف وتمزقه الخطاب والخطاب المضاد لهواة الكراهية من كل نوع.

فالحوار كما سجلته لنا الكتب السماوية أول درس مورس في فجر الخليقة على محاوره الثلاث: بين الله وملائكته، وبين الله وابليس وبين الله وآدم، واختلاف المتناظرين لم يؤدي إلى حذف أي متحاور والغاءه ولو كان ابليسا.

إن مكانة الحوار في ثقافتنا لم تنحصر في البعد النظري بل ثمة شواهد تاريخية مضيئة يؤكد على تطبيقاته في مختلف العصور. وكم هو مؤلم أن نرى الحضارة التي استوعبت كل الفرق الكلامية والفقهية، واحتضنت الفلسفات الاسلامية وضدها على السواء، وأنتجت شخصيات مثل موسى بن ميمون الذي يعتبره اليهود أعظم شخصية بعد النبي موسى عليه السلام، أصبحت اليوم تضيق ذرعا بابناءها. إذا كان الحوار بالأمس يعتبر أحد مظاهر الثراء والتعايش في إطار حضارة واحدة فيمكن إعتباره اليوم من أشد الضرورات ومن أنجع الوسائل لمواجهة ظاهرة التكفير والغاء الآخر والحد من الاثارة الغرائزية المجنونة التي تعصف بمجتمعاتنا وتهلك الحرث والنسل.

فالحوار ليس حركة اللسان الميكانيكية كما يقولون أو المحادثة بل هو تفاهم وتواصل وتقارب و تعامل وتفاعل واستيعاب التنوع الثقافي ومعرفة الآخر. إن أحد التحديات التي ظلت تواجه البشرية هو الصمم الثقافي والعجز في التواصل، الامر الذي يحول بين فهم المجتمعات ببعضها ولا يمكن تخطيه إلا بالتقارب والتفاعل. إذا كانت اللامبالاة بالآخر لها مبرراتها في التاريخ فليس هناك ما يبرر هذا التقصير في عصر تحول كل واحد منا إلى رحالة يمتطي طائرات من كل نوع ويجوب أركان المعمورة شرقا وغربا ليعيش مع أناس مختلفين

والحوار الذي ندعو إليه ليس خلطا للأوراق وتمييعا للمبادئ وتذويبا للعقائد في قالب واحد وطمسا للهويات بل هو اعتراف بالآخر وإقامة جسور للتقارب الانساني وإشاعة القيم الكبرى التي تنادي إليها الأديان ووضع الدين في سياق الاصلاح والتقدم ومحاربة للعنصرية وانصافا للمظلومين دون إستثناء وتأكيدا على مبادئ الحق والعدل والكرامة.

وفي هذا الاطار، نحن مطالبون بوضع استراتيجيات جديدة للمحتوى الديني المبني على نبذ الكراهية ومراجعة الذات وتصحيح المفاهيم وقبول التعاون والتعايش والتعارف مع الأمم والحضارات وجعل الدين موردا اجتماعيا يرتقي بالمجتمع.

بما أن الحوار عملية فكرية تتلاقح فيها الأفكار ويُفعّل فيها العقل الناقد فهو طريق شاق وطويل يختلف عن الحلول التي تحاول أن تحسم المشكلة بضربة واحدة وفي المقابل تخلق ألف مشكلة ومشكلة.

فرغم كل المشاكل الموروثة التي تراكمت عبر الأزمان، فالسؤال المطروح هو أي طريق نسلك، طريق الحوار أم الدمار، وكيف يمكن أن نقوم بتنزيل الحوار إلى أرض واقعنا الملغوم، وكيف نحول المبدأ إلى ثقافة. فاذا فشلنا في الاجابة، فحوارنا لا يكون إلا حوارا للطرشان.

* السيد بشير أحمد أنصاري يشغل منصب مدير إدارة الحوار والتواصل بمنظمة التعاون الاسلامي.