مفهوم الجهاد بين مدرستين

من قسم افتراضي, المقالات. منذُ4 سنة.2019-09-04T12:19:47+03:0012:00 صباحًا الأحد 08 أكتوبر 2017 م / _8 _أكتوبر _2017 ه‍|

لعله لم ينل مفهوم من مفاهيم الإسلام من التشويه والتوظيف الخاطئ في العقود الأخيرة مثلما نال مفهوم الجهاد من طرف مجموعة من الحركات التي احتكرت نسخة الإسلام لنفسها، وفوضت نفسها للدفاع عنه وعن قيمه دون غيرهم من جموع المسلمين. فمفهوم الجهاد الذي شرع في الإسلام لحفظ قيم الأمن والسلام والحرية وإحياء النفوس وحفظ أموالها، وقيد بجملة من القيم الإنسانية الراقية التي عادت ما تُتجاوز وتنسى زمن الحروب فلا اعتداء على بريء، أو إمرأة أو صبي، ولا حتى حيوان، أو شجرة كما نصت الكثير من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، بات عند هؤلاء تفجيراً أعمى للأسواق المكتضة بالآمنين، واعتداءاً على مساجد المسلمين الساجدين.

إن المفاهيم الانسانية الجميلة لهذه الركيزة الدينية والأدبيات الإنسانية الراقية، لم تعد تجد لها مكاناً في أدبيات الحركات المتطرفة التي حولت الجهاد إلى أهم ركن في الدين، وعملت على خلع الأحاديث النبوية من سياقاتها التاريخية كحديث: “من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية” وغيره من الأحاديث لتبرير فهمها الخاطيء لأسس الدين وتشريعاته، بل واجترأ بعضهم على تنزيل أحكام الجهاد التي نزلت لدفع عدوان غير المسلم على المسلمين؛ على المجتمعات الإسلامية في حد ذاتها، بعد أن أثبت مفهوم الحاكمية – حسب فهم هؤلاء- كفر هذه المجتمعات وجاهليتها، وبات قتال المسلمين وحكوماتهم وسفك الدماء الحرام ركيزة من ركائز خطاب التطرف والعنف بسبب هذه الجنون الديني. في هذا الجدول نجري مقارنة مبسطة لمفهوم الجهاد عند جمهور علماء الأمة الإسلامية وعند نفر قليل من دعاة التطرف والإرهاب لندع القارئ الكريم أمام حقيقة ناصعة تحكي انحراف التطرف والجماعات المتطرفة عن إجماع الأمة وتحكي انقطاع علاقتهم بتراثنا وتاريخنا وعن ما أجمع عليه علمائنا.

تصور جمهور علماء الأمة للجهاد تصور الجماعات الجهادية للجهاد
سعة مفهوم الجهاد يتسع مفهوم الجهاد فيكون بالقلب وبالدعوة وبالحجة والبيان، والرأي، وإذ سدت الطرق يلجأ للجهاد

( كشاف القناع للبهوتي) و مطالب أولي النهى  لرحيباني)

يقتصر مفهوم الجهاد على القتال، ويختزل القتال عندهم في القتل
غاية الجهاد الجهاد وسيلة وليس غاية في حد ذاته، والوسيلة تشرع لتحصيل أحكام أخرى فهي غير مقصودة في ذاتها، وعليه فارتباط الجهاد بالقتال ليس متعيناً بل المتعين هو ما يحقق المقاصد، فقد يصبح ترك القتال نفسه واجباً لتحقيق المقصود الذي هو الجهاد. ينص الإمام الرملي على أن الجهاد يحصل بإحكام الحصون والخنادق وقد يحصل بالقتال، وفي عصرنا يحصل الجهاد بتقوية اقتصاد وجيش الدولة ونظمها الإدارية، وحماية حدودها ضد أي عدوان. (مقاصد الشريعة لابن عاشور) و( نهاية المحتاج للرملي)  القتال عندهم غاية مقصودة لذاتها،  وهو واجب على كل مسلم وفي كل بلد مسلم ( الفريضة الغائبة لعبد السلام فرج)
قصوى غايات الجهاد قصوى غايات الجهاد عند جمهور المسلمين هي الهداية، يقول الإمام السبكي في شرح قول النبي لعلي حين ارسله لخيبر ” لأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير من حمر النعم:” (قوله في هذه الحالة يشير إلى أن المقصود بالقتال إنما هون الهداية والحكمو تقتضي ذلك، فإن المقصود هداية الخلق… فإن أمكن ذلك بالعلم والمناظرة وإزالة الشبهة فهو أفضل، ومن هنا نأخذ أن مداد العلماء أفضل من دم الشهداء (الفتاوى للسبكي) ويقول العز بن عبد السلام ” إن الوسائل تسقط بسقوط مقاصدها” (قواعد الأحكام للعز)  ليس للجهاد والقتال عندهم علاقة في تحقيق الهداية بل الغاية من القتال عندهم هو الإخضاع والسيطرة.
الجهاد حكم شرعي الجهاد عن عموم الأمة حكم شرعي تقتضيه الأحكام التكليفية الخمسة فقد يكون واجباً، أو مندوباً وقد يكون حراماً، بحسب تقدير شئونه وأحواله، وقد شرع الله الأحكام وشرع أيضا ما يرفعها، فربما كان الجهاد صحيحاً في صورته لكنه باطل في حقيقته لجريانه في غير محله، ولخروجه عن ظوابط الشرع، وزاد عن حده، وقد وصف رسول الله من زاد في وضوئه بقوله “فمن زاد على ذلك فقد أساء وظلم” فإذا كان هذا في الوضوء فكيف بمن تطرف في مفهوم الجهاد و بات يطيح برقاب المسلمين ويروع الآمنين ويقض مضاجع أوطانهم. فالجهاد حكم شرعي يحتاج إلى اجتهاد عميق للبت فيه وليس حماسة دينية وفورة شباب

قال القرافي:” كما شرع الله تعالى الأحكام شرع روافعها” (الفروق للقرافي)

الجهاد واجب وفقط، ويفتي به شباب لا علاقة لهم بالعلم الشرعي كعبد السلام فرج، وسيد قطب، ومصطفى شكري، والعدناني وغيرهم ممن لا يدرى من أين تخرجوا وعند أي شيخ علم تفقهوا
الجهاد دفاع أم اعتداء ؟ شرع الجهاد عن جمهور الأمة لغرض الدفاع عن الإسلام والمسلمين، ولم يشرع لغرض التوسع والاعتداء وقد أجمع على هذا المفهوم من المعاصرين من علماء الإسلام كل من: عبد الله دراز، محمود شلتوت، عبد الوهاب خلاف، علي الخفيف، محمد أبو زهرة، محمد فرج السنهوري، محمد المدني، مصطفى السباعي، محمد المبارك، علي الطنطاوي، البهي الخولي، محمد الغزالي، سيد سابق، علال الفاسي، عبد الحميد بن باديس، البشير الإبراهيمي، جاد الحق على جاد الحق، متولي الشعراوي الجهاد حرب على العالم كله حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، قال بهذا الرأي المهندس عبد السلام فرج، والمهندس شكري مصطفى، والطبيب سيد إمام، والمهندس أبو مصعب السوري، والشرطي حلمي هاشم،  وأبو محمد المقدسي

ملاحظة: تم اقتباس فكرة المقارنة وبعض مادة الجدول من كتاب:” الحق المبين في الرد المبين على من تلاعب بالدين” للشيخ أسامة الأزهري.


*الدكتور طارق العجال هو استاذ للتاريخ بجامعة عفت بمدينة جد