استباحة دماء المسلمين بنص بشري ومحرف (حقيقة فتوى ماردين)

من قسم افتراضي, المقالات. منذُ4 سنة.2019-09-04T12:19:14+03:0012:00 صباحًا الأحد 15 أكتوبر 2017 م / _15 _أكتوبر _2017 ه‍|

يتفنن دعاة الجماعات الإسلامية المتطرفة في الانتساب لشيخ الإسلام ابن تيمية ويكثرون من الاقتباس من كلامه للدليل على صحة وسنية آرائهم، ولعل أهم فتاوى ابتذلتها القاعدة وداعش ومن لفّ لفّهم في فكر وتراث ابن تيمية هي فتواه الشهير بـ “فتوى ماردين”[1] والتي أصّل فيها حكم الدار المركبة وهي دار ليس بدار إسلام وليست بدار غير مسلمين، حيث يحكمها حاكم غير مسلم بينما شعبها مسلم، وهو اصطلاح جاء ابن تيمية لتوصيف حالة المدن المسلمة التي سقطت تحت حكم التتار في زمانه. ورد فيما ورد في أسطر هذه الفتوى قوله: (يعامل فيها –أي الدار المركبة-  المسلم بما يستحقه ويقاتل فيها الخارج عن الشريعة بما يستحقه)، وبالرغم من كون كلام شيخ الإسلام هو محض اجتهاد ورأي بشري لا عصمة له، إلا أن هذه العبارة وخصوصاً لفظ “يقاتل” بات كعبة تدور حولها كافة الآراء التكفيرية التي تبنتها الجماعات المتطرفة التي ظهرت في عالمنا في العقود الأخيرة، وهوّلت وفرّعت من هذه اللفظة أحكاماً وفتاوى أبيحت بها دماء مئات آلاف من المسلمين، ولايزال الحبل على الجرار.

العبارة السالفة الذكر زيادة على كونها فضفاضة فهي تحمل العديد من الإشكالات من جهة مقصود شيخ الإسلام بلفظ الخروج عن الشريعة هل هو مجرد المعصية وارتكاب المحرمات أو هو مخالفة النصوص الشرعية ومحاربتها، كما أن سلطة القتال في يد من؟

طبعاً عمد منظرو التطرف بداية من محمد عبد السلام فرج في الفريضة الغائبة، وصالح سرية في “رسالة الإيمان” وسيد إمام وغيرهم إلى توجيه هذه العبارة والادعاء أن مقصود ابن تيمية بالقتال هو قتال كل من لم يطبق شرع الله، وأن المسلمين مكلفون بقتال من لم يطبق شرع الله، وطبعاً نسبوا لأنفسهم هذا الحق، أي حق أن يقاتلوا الناس حتى يلتزموا شرع الله، وبالتالي صدرت المفاهيم التي أسست عليها هذه الجماعات فكرها من قبيل الحاكمية، والتمكين والاستعلاء ووو وغيرها.

طبعاً ناقش العلماء هذه الإدعاء من منطلق أن كلام ابن تيمية ليس مصدراً من مصادر الاستنباط في الإسلام، ومن منطلق أن ابن تيمية لم يقصد من كلامه ما أوّله المتطرفون منه، كما أن شيخ الإسلام عاش في فترة تاريخية معينة لا يمكن اسقاط وضعها السياسي والفقهي على وضع بلاد المسلمين اليوم. بل إن من المحققين من تعمق في بحث هذه القضية ليثبت أن ابن تيمية لم يقل هذا مطلقاً، وقد شغلت هذه القضية حيزاً معتبراً من النقاش العلمي والعقدي بين العلماء والباحثين نظراً للأهمية التي أولاها لها المتطرفون ومنظروا الحركات الجهادية.

إحدى أهم الانتقادات التي توجه لتوظيف دعاة الجهاد العالمي لهذه العبارة هو أنه بالرغم من أن رأي ابن تيمية يبقى رأياً بشرياً ولا عصمة إلا لنبي، إلا أنه ومع ذلك فإن ابن تيمية لم يقل “يقاتل” في تلك العبارة بل قال ” يعامل” بدليل أن ابن مفلح وهو من أشهر محرري وناقلي المذهب الحنبلي وقد نقل العديد من نصوص ابن تيمية في كتابه “الآداب الشرعية والمنح المرعية” ومنها هذا النص وورد كهذا:(يعامل فيها المسلم بما يستحقه ويعامل فيها الخارج عن الشريعة بما يستحقه)، والنص الذي أورده ابن مفلح ينمّ على مراعاة للوضع الراهن في حالة الأرض المركبة المسلمة التي تغلب عليها غير المسلمين، والفرق بين دلالة المعنيان وضاح وجلي

ويعود سبب التباس هذه العبارة وتحريفها في طبعات فتاوى ابن تيمية لسبب تصحيف وقع في طبعة فتاوى ابن تيمية التي أشرف عليها فرج الله الكردي والتي نشرت سنة 1909، بالرغم من أن محمد رشيد رضا قد نقلها ونشرها قبيل هذه الطبعة في مجلة المنار على الصواب ” يعامل” وليس “يقاتل”. على أن هذا التصحيف الذي وقع في طبعة فرج الله الكردي انطلى على المحقق عبد الرحمن القاسم في طبعته الشهيرة وواسعة الانتشار لمجموع الفتاوى سنة 1961، وأصبح بذلك النص المحرف هو المشهور والمعروف بين المطلعين والقرّاء.

مشكلة تداول وانتشار الرواية الخاطئة لابن تيمية تواصلت وتلقفتها أقلام وألسنة الجماعات المتشددة بالتهليل والتحرير كونها تبرر لهم ما سيقدمون عليه من إباحة دماء المسلمين وانتهاك أمنهم وبلدانهم، كما أن من ترجم الفتاوى إلى الفرنسية والإنجليزية غفل عن كون هذا النص محرف، فترجمها محرفة، وهو ما دعى الشيخ عبد الله بن بية إلى محاولة تحقيق المسألة نظراً للخطر الذي باتت تمثله بسبب استغلال التكفيرين وتوظيفهم لهذا النص، وبعد جهد جماعي مثابر، استطاع الشيخ بن بية الوصول إلى النسخة الأصلية للفتاوى والمحفوظة في المكتبة الظاهرية بدمشق ووجد أن أصل الفتوى هي ” يعامل” وليس “يقاتل” كما هو متداول.

ونظرا لخطورة هذا النص ودوره نسخته المحرفة في تبرير العنف والإرهاب فقد انعقد في آذار 2010 مؤتمر علمي في مدينة ماردين نفسها بجنوب تركيا حضره عدد كبير من علماء الإسلام وممثلين عن المؤسسات الدينية الكبرى في كل من السعودية ومصر واندونيسيا والهند وتركيا والمغرب وغيرها، لدراسة هذه الفتاوى وإصدار رأي موحد بخصوصها، وقد أصدر المجتمعون ما بات يعرف بـ بيان ماردين الذي فند كل دعاوى الجماعات المتطرفة واستناداتها على هذا النص المحرف.

[1] نص الفتوى: “سئل رحمه الله عن بلد ماردين هل هي بلد حرب أم بلد سلم؟ وهل يجب على المسلم المقيم بها الهجرة إلى بلاد الإسلام أم لا؟ وإذا وجبت عليه الهجرة ولم يهاجر، وساعد أعداء المسلمين بنفسه أو ماله، هل يأثم في ذلك؟ وهل يأثم من رماه بالنفاق وسبه به أم لا؟ فأجاب:»الحمد لله. دماء المسلمين وأموالهم محرمة حيث كانوا في ماردين أو غيرها. وإعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة، سواء كانوا أهل ماردين، أو غيرهم. والمقيم بها إن كان عاجزًا عن إقامة دينه، وجبت الهجرة عليه. وإلا استحبت ولم تجب. ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم، ويجب عليهم الامتناع من ذلك، بأي طريق أمكنهم، من تغيب، أو تعريض، أو مصانعة. فإذا لم يمكن إلا بالهجرة، تعينت. ولا يحل سبهم عمومًا ورميهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم. وأما كونها دار حرب أو سلم، فهي مركبة: فيها المعنيان، ليست بمنزلة دار السلم التي تجري عليها أحكام الإسلام، لكون جندها مسلمين. ولا بمنزلة دار الحرب التي أهلها كفار، بل هي قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه، ويقاتل [ويعامل] الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه” مجموع الفتاوى مج 28.


* الدكتور طارق العجال هو استاذ للتاريخ بجامعة عفت بمدينة جدة