ترميم المرجعيات الفقهية في العالم الإسلامي: كآلية لمواجهة خطاب التطرف

من قسم افتراضي, المقالات. منذُ4 سنة.2019-09-04T12:25:43+03:0012:00 صباحًا الأحد 05 نوفمبر 2017 م / _5 _نوفمبر _2017 ه‍|

مما لا مهرب منه عند الحديث عن التطرف والإرهاب؛ الحديث عن الصحوة الإسلامية التي ولدت في سنوات السبعينات وترعرعت في الثمانينيات من القرن الماضي، وأنتجت ثمارها في التسعينات وما تلاها من سنوات. وهي صحوة وإن أعادت الكثير من الارتباط بين المجتمعات المسلمة وتراثها، إلا أنها كانت على حساب المرجعيات الفقهية والفكرية لهذه المجتمعات وهي التي حافظت طيلة سنوات الاستعمار الغربي وما سبقه على الوحدة الفقهية والعقدية والفكرية لهذه المجتمعات المسلمة، وحفظت روح الإسلام وجذوته في قلوب المسلمين على الرغم من تحدي انتشار الجهل والخرافة، والتحدي الفكري الاستعماري وكذا كثافة محاولات التنصير. حيث أتت هذه الصحوة الغير منضبطة والغير ممنهجة على المذاهب الفقهية السائدة في الكثير من مجتمعات العالم الإسلامي، وأثرت سلباً على دورها في تأطير الحياة الدينية للكثير من المجتمعات المسلمة، وبالتالي فتحت الباب أمام فوضى الفتوى والاستفتاء التي لازالت قائمة لحد الساعة، هذه الفوضى التي جلبت سياقات فقهية وعقدية من بيئات إلى بيئات مختلفة جداً عن تلك التي جاءت منها، وأحيت صراعات ونقاشات تاريخية ماتت واندثرت باندثار زمنها ومعطياتها الفكرية والثقافية، فسببت بذلك الكثير من الفوضى للحياة الدينية ودفعت إلى انفلات عقال التفسير الظاهري والمتسرع للخطاب الديني وبالتالي ولادة الفكر المتطرف: الذي ينشط ويبرز في زمن الضعف العلمي واختلاط مصادر التلقي والاستفتاء وتجرّئ كل متعلّم مهما قلّ علمه على الفتوى والتدريس. ولا أدلّ على أن ضعف وتفكك المرجعية الفقهية والعقدية لبعض المجتمعات المسلمة في الأربعين سنة الأخيرة يقف سبباً بارزاً من أسباب الضياع الفكري والفقهي ومن ثم الانسياق نحو التطرف؛ من أن المجتمعات المسلمة التي استطاعت أن تحافظ على وحدتها الفقهية والعقدية وعملت على صيانتها وتمتينها، ونجت بذلك من موجة العنف التي تعصف بباقي العالم الإسلامي، خذ لهذا مثلا دولة ماليزيا ذات الأغلبية المسلمة والتي تتنوع فيها الديانات والأعراق تنوعاً يندر في باقي العالم الإسلامي، لكن يتوحّد مسلموها تحت مظلة وراية الفقه الشافعي، الذي لازال يلقى الرعاية الرسمية من الحكومة والمراكز الدينية في عموم البلاد، وهو ما حفظ وحدة الماليزين المسلمين الفقهية وبالتالي تشكلت الحصانة الفكرية والفقهية وفق هذا الإطار، وحفظت البلد بشكل عام من موجة العنف التي عصفت بما جاور ماليزيا من بلدان مسلمة، والأرقام تؤكد ذلك وتدعمه، حيث نجت ماليزيا من بروز أي جماعة متطرفة على أراضيها، كما خلت بحمد الله من تسجيل أي جرم إرهابي ضد مواطنيها، والأمر نفسه ينطبق على دولة أخرى في أقصى غرب العالم الإسلامي وهي السنغال التي تمسكت وحفظت مركزية مذهب الإمام مالك في منظومتها الفقهية والثقافية، ولم تسمح بأي مساس به، ونجت هي الأخرى من تأثير حركات التطرف التي ناوشت العديد من دول الجوار. ويمكن تصنيف أذربيجان والمالديف من الدول التي نجحت في حفظ مرجعياتها الفقهية، واستثمرت ذلك في حفظ الوفاق والتناغم الفكري والعقدي بين مواطنيها.  من هذا المنطلق بات على الجهات المعنية في العالم الإسلامي الحرص على وضع برنامج عمل شامل ومكثف من أجل دراسة سبل إعادة ترميم وبناء المرجعيات الفقهية للمجتمعات المسلمة، من خلال دعوة الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي إلى تبني استراتيجية موحدة، لإعادة اعتماد المرجعيات الفقهية للمذاهب الاسلامية، وتفعيل دورها في الحياة العامة وإعادة تجديد نصوص الفتوى والاجتهاد فيها بما يتوافق مع روح العصر، بغية سحب البساط من فوضى الفتوى والافتاء التي أضرت بالعالم الإسلامي أيما إضرار، ويتم ذلك حسب رأينا وفق المخطط التالي:

إعادة دور المذاهب الفقهية للحياة العامة وإعادة دورها في توحيد المجتمعات فقهياً وعقدياً.

الدعوة إلى إعادة صياغة المذاهب الفقهية بلغة العصر وإعداد موسوعات فقهية شاملة يتم من خلالها تطهير الفقه الإسلامي من تاريخية بعض الآراء والفتاوى وإبدالها بفتاوى تتوافق مع روح العصر.

فتح باب الاجتهاد الجماعي لإعادة ضبط الأصول الفقهية للمذاهب وفق مستجدات العصر، وتجسير العلاقة بين الأصول والمقاصد الشرعية للشريعة الإسلامية، بغية تقريب الاجتهادات المختلفة نحو الروح العامة للشريعة الإسلامية

وضع برامج مكثفة لتقنين الفقه الإسلامي وفق اجتهادات المذاهب الفقهية الرسمية تجنيباً للأمة من فوضى الإفتاء وإقصاء القضايا الفقهية التاريخية محل النزاع والخلاف.

وضع خطة عمل مشتركة تتوافق عليها كافة الدول الأعضاء بشأن السياسات الدينية.

تكثيف الخطاب الإعلامي الداعي لاحترام واعتبار المذاهب الفقهية بغية صناعة وعي عام تتوحد فيه كل الجهود الساعية لترميم المرجعية الفقهية.


* الدكتور طارق العجال هو استاذ للتاريخ بجامعة عفت بمدينة جدة