الميلاد النّبوي يقول: “لا” لدعاة التكفير

من قسم افتراضي, المقالات. منذُ4 سنة.2019-09-04T12:27:21+03:0012:00 صباحًا الإثنين 04 ديسمبر 2017 م / _4 _ديسمبر _2017 ه‍|

لا مراء في أنّ ليلة الميلاد النّبوي من أعظم الليالي، والسؤال الذي شغل الكثيرين هو: ما سرّ عظمة هذه الليلة؟ وقد تولى ـ ممن تولى ـ الإجابة على هذا السؤال محمّد البشير الإبراهيمي إذ قال: “ليس السرّ في أنّ مولوداً ولد، ولو في بيت رفيع العماد كبيت عبد المطلب … وكم من مولود ولد في تلك الليلة وفي أمثالها من الليالي، فما زانوها ولا زانتهم، ولا زادوا الوجود الذي أتوه شيئاً، ولا نقصوا العدم الذي فارقوه نقطة، ولا زادوا في سجل التاريخ حرفاً. وإنّما السرّ الذي يجب أن يتبيّنه السامعون الواعون هو أنّ هذه الليلة (ليلة الميلاد النبوي) ولد فيها الهدى الذي محق الضلال، وولد فيها الحق الذي محا الباطل، وولد فيها النّور الذي نسخ الظلام، وولد فيها التوحيد الذي أمات الوثنية، وولدت فيها الحرية التي انتقمت من العبودية، وولد فيها التّساوي الذي قضى على الأثرة والأنانية، وولد فيها التآخي الذي أبطل البغي والعدوان، وولدت فيها الرحمة التي قضت على القسوة والجبروت وعلى البخل وآثاره، وولدت فيها الشجاعة التي تنصر الحقيقة وتمهد الطريقة، وبالإجمال ولد فيها الإسلام وما أدراكم ما الإسلام”.

فليلة الميلاد النّبوي ولد فيها الهدى، وولد فيها الحق، وولد فيها النّور، وولد فيها التوحيد، وولدت فيها الحرية، وولد فيها التّساوي، وولد فيها التآخي، وولدت فيها الرحمة، وولدت فيها الشجاعة، وبالإجمال ولد فيها الإسلام وما أدراكم ما الإسلام. فهل هذه القيم المحمدية التي ولدت في هذه الليلة الغرّاء هي القيم التي يحملها دعاة التكفير في أنفسهم وينشرونها في غيرهم؟ إنّ هذا السؤال ـ ويا للغرابة ـ لا تعثر له على أجوبة بقدر ما تعثر له على أسئلة! ورأس هذه الأسئلة هو: هل جاء دعاة التكفير لنسف هذه القيم ونسخ هذه الـمُثل؟ فالنّاس وإن تناقضت مشاربهم لا ريب في أنّ الدهشة تتملّكهم، والحيرة تستولي عليهم، لأنّ الذي يتكشّف لهم هو أنّ دعاة التّكفير إنّما جاؤوا لاجتثاث هذه القيم المحمدية وغرس نبات شيطاني لا تعرفه الفطرة البشرية، ولم تعهده المجتمعات الإنسانية، وإذا بانت هذه الحقائق عرف المرء لماذا الخلافة التي يسعى دعاة التكفير إلى إحيائها ويبشّرون بمولدها  جمعت كلّ شذوذ، وركبت كلّ غلو، وأتت كلّ بلية، كأنها مكب لكلّ الشرور، ومصب لكلّ النفايات، لأنها وببساطة ما استضاءت بهذه القيم المحمدية التي بزغت في هذه الليلة النورانية.

فليلة المولد النّبوي “ولد فيها الهدى الذي محق الضلال”، ودعاة التكفير يحملون معاول الضلال لمحق الهدى، وأيّ ضلال بعد ضلال تكفير المسلمين، وترويع عباد الله الآمنين، وذبح الأبرياء وسفك دماء المؤمنين، ودعاة التكفير لفظ كلّ معانيه وجميع مدلولاته تصب في أودية الضلال، مما أدى إلى فتنة الأمة عن دينها، ووقوعها في حيرة من أمرها، وصدود الإنسانية عن الالتحاق بركب الهداية النبوية، وإذا كان الجهل المركب مصيبة المصائب فإن “الضلال المركب” الطّامة التي ما بعدها من طامة؛ فدعاة التكفير ضالون، ويجهلون أنهم ضالون، بل يجزمون أنهم على هدى من ربّهم، وحركة التاريخ تقول: إنّ هذا المرض مرض عضال، وإنّ علاجه من الصعوبة بمكان، ولهذا عادة ما تبوء الحوارات معهم بالفشل، ويعسر تأهيلهم، ويصعب إدماجهم، وهم بين أمرين: إما الحجر، وإما الاستئصال، وهذه فاتورة ـ والله ـ ثقيلة ولكن ما الحيلة إذا كان صبح الإسلام، وعزّ المسلمين، وأمن العالمين، لا يبزغ إلا عبر بوابتها.

وليلة المولد النّبوي “ولد فيها الحقّ الذي محا الباطل”، ودعاة التكفير يحملون ألوية الباطل لمحو الحقّ، “وأكثر أنواع الضلال الذي أدخل في الإسلام ـ كما قال محمد الطاهر بن عاشور ـ هو من قبيل لبس الحقّ بالباطل”، والخوارج لما قالت: “لا حكم إلا لله”، قال الإمام علي: “كلمة حقّ أريد بها باطل”، وصاحب التحرير والتنوير يعرّف الحقّ بقوله: “هو ما تعترف به سائر النّفوس بقطع النّظر عن شهواتها”، ويعرّف الباطل بقوله: “والباطل ما تتبرأ منه النّفوس وتزيله مادامت خلية عن غرض أو هوى”، ومن خلال هذين التعريفين يتبيّن للمرء: لماذا “الدعوة” التي يُبشّر بها دعاة التكفير لا تزيد النّاس إلا نفورا، ولا تزيد العالم إلا صدودا، وذلك لأنّ النّفوس إذا كانت خلية عن أيّ غرض أو هوى اعترفت بالحقّ وتبرأت من الباطل، ولكن لبس الحقّ بالباطل الذي يتقنه دعاة التكفير أيّما إتقان هو الذي يجعل الكثير من النّاس وخصوصا الشباب يقعون في أحابيلهم، وياللعجب .. تلك هي أحابيلهم مذ عرفهم تاريخ الإسلام.

وليلة المولد النّبوي “ولدت فيها الحرية التي انتقمت من العبودية”، والحقّ أنّ شهادات النّساء اللاتي وقعن في أحابيل دعاة التكفير تدع الحليم حيران، وُعِدن بـ”جنّة” الخلافة فوجدنَ أنفسهن في “جحيم” النّخاسة، ودين النبي الخاتم كثّر أسباب العتق تمهيدا للاحتفال بالحرية، و”دين” دعاة التكفير كثّر أسباب الرق تمهيدا لبعث العبودية، وهل يعقل أن تكون دعوة “رسول التحرير” دعوة إلى استرقاق النّاس واستعبادهم؟! فالعمل على تحقيق إنسانية الإنسان أول مقصد من مقاصد رسالة النبي العدنان، وإذا وقع الإنسان في شراك الاستعباد فماذا بقي من إنسانيته؟ إنّ عقيدة التوحيد تعلنها صريحة مدوية أنّ “الإنسان ملك لله تعالى” ولكن بعض الحمقى والمعتوهين أبى إلا أن ينازع الله ملكه! ألا يعلم هؤلاء أنّ “رسول التحرير” قد أعتق كلّ العبيد والإماء الذين كانوا في ذمته قبل التحاقه بالرّفيق الأعلى، وفي هذا آية للمتوسمين ـ وأيّ آية ـ على أنّه لا رقّ ولا عبودية بعد اليوم.

وليلة المولد النّبوي “ولد فيها التآخي الذي أبطل البغي والعدوان”، ونبي الإنسانية جاء بالمؤخاة بين الإنسانية، وذلكم هو السبيل إلى تجفيف كلّ منابع البغي، والقضاء على كلّ أسباب العدوان، وهل هناك ريب في أنّ (الإنسان أخو الإنسان) و”مؤدّى هذه الجملة الصريح ـ كما قال محمد البشير الإبراهيمي ـ عقد الأخوة بين أفراد البشر بموجب الإنسانية التي هي حقيقة سارية في كلّ فرد”، ولا شك أنّ الفهم المغشوش لمفهوم الولاء والبراء يقف حجر عثرة في طريق صناعة التآخي الذي أحوج ما تكون إليه الإنسانية، ولا يمكن فهم الولاء والبراء إلا إذا فرّق المرء بين البرّ والمودة، وقد بيّن  شهاب الدين القرافي في الفرق التاسع عشر بعد المائة مسائل الفرق بين البرّ والمودة.

وليلة المولد النّبوي “ولدت فيها الرحمة التي قضت على القسوة والجبروت وعلى البخل وآثاره”، والرّحمة التي ولدت في هذه الليلة كانت رحمة للعالمين، على اختلاف مواطنهم، وأجناسهم، وأديانهم، ولغاتهم … إلخ، ومن عرف دعاة التّكفير عرف أنّهم ما إنْ سلكوا طريقا إلا وسلكت الرحمة طريقا غيره، فدعاة التكفير لم يشف غليلهم سفك الدماء، وإزهاق أرواح الأبرياء، فكان أن ملأوا الدنيا تنكيلا، والسّاحات تمثيلا، وهل أتاك نبأ الذي أهدر دماء أناس وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، ولكن رحمته غلبت عدله، وسماحته نازعت شدّته، فكان أن قبل تشفعهم، وعفا عنهم، وغفر لهم. ألا فليعلم دعاة التكفير أنّ “القاسي مبغوض”، وأنّ الرّحيم محبوب، وأنّ القسوة ما دخلت ساحة إلا أفسدتها، وأنّ الرّحمة ما دخلت ساحة إلا أصلحتها.

ومهما يكن من أمر فإنّ تعداد ما وُلد في هذه الليلة المباركة يُخطئه العدّ ولا يأتي عليه الحصر، والخلاصة أنّ ليلة المولد النّبوي “ولد فيها الإسلام وما أدراكم ما الإسلام”، ولو اغترف دعاة التكفير غرفة واحدة من هذه الليلة الشريفة لأناروا حوالك البشرية، وكانوا الخلاص الذي ترقبه الإنسانية، ولكن ما الحيلة إذا أصاب الضمأ الذين يردون الماء، وخيّم الظلام على الذين يحملون مشاعل النّور.


أحمد رشيق بكيـنـي رئيس المركز الثقافي الإسلامي ـ سطيف ـ الجزائر