براءة “الفطرة” من دعاة التكفير

من قسم افتراضي, المقالات. منذُ4 سنة.2019-09-04T12:26:47+03:0012:00 صباحًا الأحد 07 يناير 2018 م / _7 _يناير _2018 ه‍|

إنّ فظاعات دعاة التكفير التي يتجرع العالم مرارتها، من سفك الدماء، وقتل الأبرياء، وفساد في الأرض، وهتك العرض، وترويع الغافلين، وإرهاب الآمنين … ، تجعل العقل البشري الذي جعله الله مناط التكليف يتساءل،: أيّ عقل يبرّر هذه الفظاعات؟ وأيّ دين يجيز هذه المنكرات؟ وأيّ إنسان يستسيغ هذه التجاوزات؟ فأيّ دين يجيز إبادة الرّكع السجود في المساجد ودور العبادة؟ وما مسجد الروضة بسيناء مصر منّا ببعيد، وأيّ دين يقلب أعياد عباد الله إلى مآتم؟ وهاهو عيد الميلاد المجيد ورأس السنة الميلادية يُعدّد ضحاياه ويُحصي فجائعه، وإن تعجب فعجب من أنهم يسالمون المعتدين، ويحاربون المسالمين!

“فالدين، كما قال محمد الطاهر بن عاشور،  مجموع تعاليم يريد شارعها أن تصير عادة وخلقاً لطائفة من النّاس لتبعث فيهم الفضائل والإحسان لأنفسهم وللنّاس”، فهل دين دعاة التكفير يبعث فيهم الفضائل والإحسان لأنفسهم وللنّاس؟ وللأسف فإنّ الحقيقة التي لا يختلف حولها المختلفان هي أنّ دين دعاة التكفير ما سلك شعبا إلا وسلكت الفضائل شعبا آخر، وما اختار دين دعاة التكفير طريقا إلا واختار الإحسان طريقا غيره، ولو كانت التعاليم التي يدين بها دعاة التكفير تبعث فيهم الفضائل والإحسان لأنفسهم وللنّاس لكان للعالم وجه آخر، وجه مشرق لا وجه متجهم، ينعم بالأمن والسّلام ولا يصطلي بنار الفتن والحروب.

والله تعالى ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ)(آل عمران/19)، وفسّره بقوله تعالى:ﭐﱡﭐ (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(الرّوم/30)، “والآن ـ كما قال محمد الطاهر بن عاشور ـ استتب لنا أنّ مراد الله بقوله: ” فِطْرَتَ اللَّهِ        ” هو دين الاسلام بمجموعه في اعتقاده وتشريعاته، وأنّ هذا الدين هو الفطرة”، ويعرّف “الفطرة” في موضع آخر بقوله: “بمعنى ألا تكون ناظرة إلا إلى ما فيه الصلاح في حكم العقل السليم، غير مأسور للعوائد ولا للمذاهب”، فالإسلام هو “الفطرة”، ومن هذا المنطلق القرآني فكلّ ما وافق “الفطرة” فهو من الإسلام، وكلّ ما خالف “الفطرة” فالإسلام منه براء.

فإذا حاكمنا أعمال دعاة التكفير إلى “الفطرة” فإنّ النتيجة التي يخرج بها كلّ واحد منّا هي أنّ أعمال دعاة التكفير تناقض “الفطرة” مناقضة بيّنة، وتعاديها معاداة صريحة، فمن مقاصد دين الفطرة حماية المجتمعات الدينية، وتأمين دور عباداتهم، والقرآن الكريم يعلنها صريحة مدوية: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ) (الحج/40)، ومما يجب أن نلفت إليه الأنظار أنّ الدفع كما يكون بالحرب يكون بغيرها من الوسائل والآليات وخصوصا في هذا العصر، وإذا كان من المقرر أنّ “الإسلام ـ كما قال محمد البشير الإبراهيمي ـيعتبر السلم هو القاعدة والحرب شذوذا في القاعدة”، فالواجب أن لا نلجأ إلى الدفع بالحرب حتى نستنفد كلّ وسائل وآليات الدفع الأخرى.

والحقّ أنّ سنّ القوانين، وتوقيع المعاهدات، وإبرام الاتفاقيات مثلا التي تضمن حماية المجتمعات الدينية وتأمين دور عباداتهم جزء أساسي لا يتجزأ من “آلية الدفع”، فدين الفطرة يفرض على أتباعه تفعيل “آلية الدفع” من أجل حماية المجتمعات الدينية وتأمين دور عباداتهم، ولا يوصي أتباعه بتفجير المساجد، وهدم الكنائس … ، حتّى قال ابن خويز منداد من أئمة المالكية إنّ هذه الآية تضمنت المنع من هدم بيوت النار (معابد المجوس)، مما يعني أنّ دين الفطرة يأمر أتباعه بحمايتها والمحافظة على سلامة روادها، فما بالك بأهل الكتاب ودور عباداتهم الذين منحهم دين الفطرة امتيازات لم تمنح لغيرهم من أتباع الديانات الأخرى.

وإذا استتب لنا أنّ فظاعات دعاة التكفير لا يقبلها دين، ولا يرضاها عقل، ولا تقرّها فطرة، فإنّ واجب “أهل الذكر” كلّ في ميدان اختصاصه البحث عن دوافعها والتنقيب عن أسبابها، ومشكلة المشكلات أنّ “النّافذة الدينية” هي أخطر نافذة يتسوّر منها دعاة التكفير، ولأنّ من مظاهر عجز “العقل الفقهي” المشينة الاختلاف في “القضايا الكبرى” اختلافا يصل إلى حدّ التناقض، وعجزه طيلة هذه القرون عن ردم هذه الهوة الرّهيبة، فلا يزال “العقل الفقهي” يجادل: هل الجهاد شرع لقتال الكفار أو لردّ العدوان؟ وتحت أيّ عنوان من العناوين تكون الحرب في الإسلام: هل تكون الحرب في الإسلام تحت عنوان الكفر أو تكون الحرب في الإسلام تحت عنوان العدوان؟

إنّ الكفّار الذين يسمعون هذا السّجال الفقهي، ويرصدون هذه “الشراسة الحجاجية” على حلبة الشبكة العنكبوتية، وتنبري طائفة من العلماء في استخدام “الأرشيف الفقهي” لتبيّن أنّ من مقاصد الجهاد قتال الكفار، وأنّ الحرب في الإسلام شرعت للقضاء على الأديان الباطلة، فهذا الخطاب يثير هواجس الكفّار، وينفخ في نار الثارات التاريخية، وبدل أن يضمن لهم دين الفطرة الحياة الكريمة وإذ بالمنتسبين إليه يُهدّدونه بالإبادة الجماعية، فهل يُنتظر من هؤلاء النّاس أن ينتظروا دورهم كما تنتظر الخراف دورها لتقاد إلى مصارعها؟ إنّ دين الفطرة يعلنها واضحة لا مواربة فيها( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)ﱠ    (البقرة/256).

فـ”الأرشيف الفقهي” مشحون بآراء عديدة عفا عليها الزّمن، والذين يسعون إلى إحيائها بدل إهالة التراب عليها، هم في الحقيقة يسعون إلى عرض دين الفطرة في ثوب منفّر لا في ثوب مبشّر، فعندما يقول ابن العربي  مثلا  في تفسير قول الله تعالى:( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)(التوبة/29) “أمر بمقاتلة جميع الكفار فإن كلهم قد أطبق على هذا الوصف من الكفر بالله وباليوم الآخر”، وعندما يقول فخر الدين الرّازي في تفسير الآية نفسها: “والجزية تؤخذ منهم على الصغار والذل والهوان بأن يأتي بها بنفسه ماشياً غير راكب ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس، ويؤخذ بلحيته، فيقال له: أد الجزية وإن كان يؤديها، ويزج في قفاه … والكفار فريقان ، فريق عبدة الأوثان وعبدة ما استحسنوا ، فهؤلاء لا يقرون على دينهم بأخذ الجزية، ويجب قتالهم حتى يقولوا لا إله إلا الله، وفريق هم أهل الكتاب … فهؤلاء يجب قتالهم حتى يعطوا الجزية ويعاهدوا المسلمين على أداء الجزية”، فهل ترويج مثل هذا الكلام  ومثله كثير كثير  في وجوب إبادة الكافر، وإهانة الكتابي كلّ هذه الإهانة، يصب في خانة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؟ وهل يصح في الأذهان أن يحمل دين الرّحمة كلّ هذه القسوة؟ والذي لا يحسن عرض ما يملك من جواهر ولآلئ فأضعف الإيمان أن لا يعرضها عرضا يخدش قيمتها ويحط من مكانتها.

والحقّ أنّ واجب المصارحة يُوجب على القيادة الفكرية للأمة الإسلامية أن تقوم بأمرين اثنين: أحدهما: عرض “الأرشيف الفقهي” على “الفطرة”، فما وافق “الفطرة” وجب قبوله، وما خالف “الفطرة” وجبت البراءة منه، وهذا المشروع يحتاج إلى جهود جماعية ولا تغني الجهود الفردية شيئا، وثانيهما: أن يكون الحديث في “القضايا الكبرى” من اختصاص المجامع الفقهية والمؤسسات الدينية المعتمدة المشهود لها بالسير وفق خط “الفطرة”، وإيجاد آليات ملزمة للعمل وفق هذه الخارطة، لأنّ واجب الأمّة أن تحفظ ميراث نبيّها ليظل منارة هادية في ظلمة الفتن الهوجاء، أما أن نترك الأصوات النشاز تشوّه دين نبيّنا، وتصدّ النّاس عن الالتحاق به، فهذه  لعمر الله  ثلمة ما بعدها ثلمة، ووراءها ذل الدنيا وخزي الآخرة.


أحمد رشيق بكيـنـي  رئيس المركز الثقافي الإسلامي ـ سطيف ـ الجزائر