ألم يان للذين تطرفوا أن تخضع قلوبهم لسماحة الإسلام

من قسم افتراضي, المقالات. منذُ3 سنة.2019-09-04T12:31:03+03:0012:00 صباحًا الإثنين 19 فبراير 2018 م / _19 _فبراير _2018 ه‍|

تعتري كافة الأديان السماوية حالات من الشدة والبسط، والقوة والانكماش، والوسطية والتشدد نظراً جاءت بمنظومة قيم جامعة لأعداد مهولة من البشر يختلفون في بيئاتهم وثقافاتهم وأطرهم الفكرية والاجتماعية. لذا تبقى القيم الدينية واحدة في نصوصها المقدسة، لكنها تختلف في تطبيقاتها وتوجيهاتها من بيئة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، ومن عصر إلى عصر، نظرا للعوامل المؤثرة في الانسان الذي يسعى للاستهداء بهذه النصوص. وكحال اليهودية والنصرانية وكافة الأديان الأخرى ابتلي الإسلام بفئة من اتباعه فهموا نصوصه وفق فهوم حدية جافة وصارمة، وأوّلوا آيات قرآنه وأحاديث رسوله وفق أهوائهم التي شكّلتها أطماع السياسة ومظالمها. فبرزت من بين ظهراني المسلمين وفي العصور الأولى للإسلام حركة الخوارج التي كسرت معادلة الأمن والاستقرار في المجتمع المسلم لسوء فهمها لنصوص القرآن وعجرها عن تكييف فهمها لها وفق المقاصد العامة للدين، ولم تزال هذه الفرقة التي تنبئ بها الرسول الكريم، وحذر منها حتى انقسمت على نفسها وتقاتلت فيما بينها حتى بلغ عدد  فرقها 30 فرقة. وعلى الرغم من  شنها خمسة حروب طاحنة ضد دولة الخلافة الراشدة زمن الإمام علي رضي الله عنه، وشنها لما يزيد عن 23 ثورة ضد الدولة الأموية، تمكنت في بعضها من هزّ أركان الدولة القائمة كما فعلوا في أول مواجهة لهم مع الدولة الأموية الناشئة زمن معاوية حيث كاد أن يخسر لصالحهم سنة 41هـ؛ إلا أن الخوارج بفرقهم المتعددة ابتلعهم التاريخ وذابو وانتهوا نظرا لكون رسالتهم لم تتوافق مع الخط العام للرسالات السماوية، بل ولا مع الخط العام للقيم الانسانية المشتركة التي تعطي للانسان وروحه وأمنه أولوية تتقدم في الكثير من الأحيان حتى عن الواجبات الدينية ومحظوراتها.

هذه الحتمية التاريخية التي دفعت لزوال الخوارج تاريخياً دفعت ولازالت تدفع كافة الحركات المتطرفة إلى الزوال والاندثار، نظرا لانحرافها عن القيم المشتركة العامة التي جاءت الأديان كما والقوانين المعاصرة لحمايتها وصونها والدفاع عنها. تشير دراسة موسّعة أنجزتها مؤسسة راند الأمريكية بعنوان ” كيف تنتهي الجماعات الإرهابية” حول مصير 648 حركة متطرفة نشطت ما بين سنتي 1968 إلى سنة 2006، إلى أن أغلب أزيد من 62% من تلك الحركات المتطرفة انتهت واختفت من ساحة الأحداث، ولازال الباقي منها يلفظ أنفاسه، لتثبت أن البقاء فقط لتلك الحركات والاتجاهات التي تحافظ على المشترك البشري بغض الطرف عن مصدره دينيا كان أم بشرياً. تشير هذه الدراسة إلى أن 43% من هذه الحركات (648 حركة) انتهت بانضمامها للعملية السياسية في البلاد التي نشأت فيها، نظرا لقناعة قادتها ومؤسسيها بعدمية العنف واستحالة تحقيقه لأي أهداف، بينما انتهى 40% من هذه الحركات بسبب سياسات مكافحة العنف التي سنتها الدول من تجفيف لمنابع التطرف ومحاصرة الموارد المالية لهذه الجماعات، بينما انتهى 7% فقط من هذه الحركات نتيجة العمليات العسكرية والأمنية التي شنتها الحكومات المعنية ضدها، ولم تحقق إلا 10 % من هذه الحركات أهدافها السياسية والاجتماعية التي تأسست من أجلها.

وبالرغم من أن هذه الدراسة تثبت أن الحركات الإرهابية ذات الدوافع الدينية تمتعت بمعدل صمود أطول من الحركات الإرهابية الأخرى ذات الدوافع السياسية والإجرامية، حيث لم تختفي إلا 32% من الحركات الإرهابية الدينية نتيجة العوامل المذكرة آنفاً. بينما انتهى 62% من الحركات الإرهابية الأخرى نتيجة الأسباب نفسها؛ إلا أن الدراسة تثبت أنه لا يوجد حركة إرهابية دينية واحدة من بين كل الحركات المدروسة تمكنت من تحقيق أهدافها.

كما تشير الدراسة إلى أنه رغم صمود هذه الحركات أمام عوامل الزوال أكثر من غيرها من الحركات إلا أن مصيرها الزوال والاندثار نظراً لنفاذ رصيدها الأخلاقي الذي تأسست وفقه.  فلا شك أن حملات القائد الأموي المهلب ابن أبي صفرة الصارمة على الخوارج مثلاً هشّمت قوتهم ووّهنت قوة جيوشهم، لكن الخوارج استمروا بعد المهلب وبعد الأمويين عقوداً طويلة إلى أن طواهم التاريخ ودفن جرائمهم نظراً لفشلهم في الحفاظ على مبرر وجودهم الشرعي والأخلاقي. والمسار الذي سلكته حركة الخوارج نحو النسيان والاندثار في تاريخنا سلكته حركات متطرفة معاصرة لنا، فأين هي حركة الهجرة والتكفير التي تأسست بمصر في أواخر ستينات القرن العشرين وشغلت الناس بجرائهما وفتاويها المتطرفة في العديد من الدول العربية! وأي هي الجماعة الإسلامية التي تأسست في مصر في السبعينات، وارتكبت ما ارتكبت من جرائم! إذ طوى النسيان ذكر مؤسسيها، وسارع من بقى حياً من اتباعها إلى سياسة المرجعات الفكرية بعد أن زاد وعيهم الديني والسياسي وانطفأت فيهم جذوة الشباب. وأين تلك القائمة الطويلة من الجماعات المسلحة التي أدمت الشعب الجزائري من الجماعة الإسلامية المسلحة، والجيش الإسلامي للانقاذ، والجماعة السلفية للدعوة والقتال، وحماة الدعوة، والباقون على العهد، والهجرة والتكفير ، وحركة الدولة الإسلامية، والجبهة الإسلامية للجهاد المسلح، وتنظيم المرابطون، وجند الخلافة وغيرها من الحركات التي اندثرت واضمحلت بعد أن ولغت في دماء الأبرياء دون أن تحقق شيئاً سوى زيادة يأس الناس من أي مشروع سياسي يمتطي ظهر الإسلام.

وأين هو تنظيم داعش الذي دوخ العالم ونكئ جراح المسلمين طيلة الثلاث سنوات الأخيرة، وأين هي القاعدة التي صدعتنا طيلة العشرين سنة الماضية، وأين هي طالبان، وجماعة بيت المقدس وأنصار الشريعة ألا يسارع كل من هؤلاء إلى زواله أمام أعيننا؟؟.

مع هذه الحتمية التاريخية التي حددت مصير كافة الحركات المتطرفة في التاريخ، ولازالت تقود الجماعات المتطرفة إلى مصيرها المحتوم، يجدر بنا التساؤل: ألم يان للذين تطرفوا أن تخضع قلوبهم لسماحة الإسلام قبل أن يطويهم التاريخ كما فعل مع أسلافهم؟؟!!!


* الدكتور طارق العجال هو استاذ للتاريخ بجامعة عفت بمدينة جدة